ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
617
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
حاسب نفسك لنفسك فإن غيرها من الأنفس لها محاسب غيرك وخذ ما يبقى لك مما لا تبقى له وتيسر لسفرك وشم برق النجاح ( 1 ) وأرحل مطايا بتفكر التشمير . أعلم أن الوقوف على أخبار الناس وسيرهم ما خصوا وتحلوا به من المحاسن والقبائح تهذب آراء ذوي البصائر والقرائح وما زال متقدمو الأمم والقبائل وأهل المجد والفضائل يرغبون في سماع أخبار من قبلهم وينظرون في آثار من تقدمهم فما رأوا من حسن سيرة وجميل أحدوثة تحلوا به فكان لهم مذكرا وما شاهدوه من تغير حال تجنبوه فكان لهم منبها ومنذرا فقد قيل إن رجلا قال لسعيد بن مسيب إنني رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في منامي فقال له يا هذا إن الله تعالى بعث محمدا صلّى الله عليه وآله وسلّم بشيرا ونذيرا فمن كان على خير بشره وأمره بالزيادة ومن كان على شر حذره وأمره بالتوبة وكانوا يصطنعون المعروف ويعلمون أن من اصطنعه ذكر به إذا انطوت الآثار وبشر بمكانه إذا درست الأخبار . وقيل فعل المعروف يطيل في العمر قالوا وكيف قال بحسن الذكر وانتشار الصيت وبقاء الحديث . قال بعضهم قلوب الرعية خزائن الملوك فما أودعوه فيها وجدوه فيها . قيل كان الوزير علي بن عيسى بن داود بن الجراح ( 2 ) موصوفا بالدين والعلم والفضل والعفاف والعقل حكي أنه في بعض أيام وزارته أراد النزول في صيارة له ( 3 ) فاجتمع عليه قوم يسألونه توقيعا لهم فقال إلى أن أرجع فقالوا ومن لنا بأن ترجع فبكى وقال نبهتموني واستدعى دواة ووقع لهم قائما ثم حكى لأصحابه أن رجلا متظلما أمسك عمر بن عبد العزيز في طريقه فقال له ويحك ما رثيت لي ( 4 ) من طول وقوفي ولم تمهلني إلى وقت آخر فقال يا أمير المؤمنين إن الخير سريع الذهاب وخشيت أن تفوتني بنفسك فبكى حتى اخضلت ( 5 ) لحيته بالدموع وقضى حاجته .
--> ( 1 ) وفي بعض النسخ [ وشمر برق النجاة ] شام البرق يشيمه شيما : نظر إليه أين يقصد وأين يمطر . ( 2 ) بعض النسخ [ داود الجراح ] . ( 3 ) الصيارة والصيره بكسر الصاد فيهما . حظيرة الغنم والبقر والجمع صير بسكون الياء وفتحها مع كسر الصاد . ( 4 ) رثى له : رق له ورحمه . ( 5 ) اخضلت أي ابتلت .